عبد الوهاب الشعراني

277

الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )

وكان يقول : الحضور مع الحق جنة والغيبة عنه نار والقرب منه لذة والبعد عنه حسرة والأنس به حياة والاستيحاش منه موت . كان يقول : طلب الإرادة قبل تصحيح التوبة غفلة . وكان يقول : من قطع موصولا بربه قطع به ومن أشغل مشغولا بربد أدركه المقت في الوقت . ومكث رضي اللّه عنه سنة في بيته لا يخرج إلا للجمعة فاجتمع الناس على باب داره وطلبوا منه أن يتكلم عليهم ، فلما ألزموه خرج فرأى عصافير على سدرة في الدار ، فلما رأته في الدار فرت فرجع وقال لو صلحت للحديث عليكم لم تفر مني الطيور ، ثم رجع وجلس في البيت سنة أخرى ، ثم جاءوا إليه فخرج فلم تفر منه الطيور فتكلم على الناس ونزلت الطيور تضرب بأجنحتها وتصفق حتى ملت منها طائفة الحاضرين . وكان يقول : كل بدل في قبضة العارف لأن ملك البدل من السماء إلى الأرض ، وملك العارف من العرش إلى الثرى . وكان اللّه تعالى قد أذل له الوحوش ومر يوما على حمار والسبع قد أكل نصفه وصاحبه ينظر إليه من بعد لا يستطيع أن يقرب منه فقال لصاحب الحمار تعال فذهب به إلى الأسد وقال له أمسك بأذن الأسد واستعمله مكان حمارك فأخذه بأذنه وركبه وصار يستعمله سنين موضع حماره حتى مات ، وقيل له مرة في المنام حقيقة سرك في توحيدك فقال سري مسرور بأسرار تستمد من البحار الإلهية التي لا ينبغي بها لغير أهلها . إذا الإشارة تعجز عن وصفها وأبت الغيرة الإلهية إلا أن تسترها ، وهي أسرار محيطة بالوجود لا يدركها إلا من كان وطنه مفقودا ، وكان في عالم الحقيقة بسره موجودا ، يتقلب في الحياة الأبدية وهو بسره طائر في فضاء الملكوت ويسرح في سرادقات الجبروت وقد تخلق بالأسماء والصفات وفنى عنها بمشاهدة الذات ، هناك قراري ووطني قرة عيني ومسكني . والحق تعالى في غنى عن الكل قد أظهر في وجودي بدائع قدرته وأقبل علي بالحفظ والتوفيق وكشف لي عن مكنون التحقيق فحياتي قائمة بالوحدانية وإشاراتي إلى الفردانية فروحي راسخ في علم الغيب يقول : لي مالكي يا شعيب كل يوم جديد على العبيد ولدينا مزيد رضي اللّه عنه .